عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
103
اللباب في علوم الكتاب
أحدهما : أنه كلام مستأنف يتناول كلّ من كتم شيئا من الدين . الثاني : عن ابن عبّاس ، ومجاهد ، والحسن ، وقتادة ، والرّبيع ، والسّدّيّ ، والأصمّ : أنها نزلت في أهل الكتاب من اليهود والنّصارى « 1 » . الثالث : نزلت في اليهود والّذين كتموا ما في التّوراة من صفة محمد - صلوات اللّه وسلامه عليه - « 2 » . قال ابن الخطيب : والأوّل أقرب إلى الصّواب ؛ لوجوه « 3 » : الأوّل : أن اللفظ عامّ ، وثبت في « أصول الفقه » أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السّبب . الثاني : ثبت أيضا في « أصول الفقه » أن العبرة بعموم اللّفظ ، وأن ترتيب الحكم على الوصف المناسب [ مشعر بالعلّيّة ] « 4 » ، وكتمان الدّين يناسب استحقاق اللّعن ؛ فوجب عموم الحكم عند عموم الوصف . الثالث : أن جماعة من الصحابة - رضي اللّه عنهم - حملوا هذا اللّفظ على العموم ؛ كما روي عن عائشة - رضي اللّه عنها - أنها قالت : « من زعم أنّ محمّدا صلى اللّه عليه وسلم كتم شيئا من الوحي ، فقد أعظم الفرية على اللّه تعالى » ، واللّه تعالى يقول : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى [ البقرة : 159 ] » فحملت الآية على العموم . وعن أبي هريرة - رضي اللّه تعالى عنه - قال [ لولا آية ] « 5 » من كتاب اللّه ، ما حدّثت حديثا بعد أن قال النّاس : أكثر أبو هريرة ، وتلا : « إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ » « 6 » . احتجّ من خصّ الآية بأهل الكتاب : أنّ الكتمان لا يصحّ إلّا منهم في شرع نبوّة محمّد - صلوات اللّه ، وسلامه عليه - وأمّا القرآن ، فإنّه متواتر ، فلا يصحّ كتمانه . والجواب : أنّ القرآن الكريم قبل صيرورته متواترا يصحّ كتمانه ، والكلام إنّما هو فيما يحتاج المكلّف إليه .
--> ( 1 ) أخرج هذه الآثار الطبري في « التفسير » ( 3 / 250 ) ، وذكر طرفا منها السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 295 ) . ( 2 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 295 ) ، وعزاه لابن سعد وعبد بن حميد عن قتادة . ( 3 ) ينظر تفسير الفخر الرازي : 4 / 147 . ( 4 ) في ب : يشعر بالقلب . ( 5 ) في أ : لو آيتان . ( 6 ) أخرجه البخاري ( 1 / 190 - 191 ) ، ( 5 / 21 ) والحاكم ( 2 / 271 ) والطبري ( 3 / 252 ) وأحمد ( 7691 - شاكر ) وابن سعد ( 2 / 2 / 118 ) . وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 297 ) ، وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم .